رئيس التحرير عبدالحكم عبد ربه

محمد علي البدوي يكتبمحمد علي البدوي يكتب

منشطات سياحية!

طباعة

الجمعة , 09 نوفمبر 2018 - 12:12 صباحاً

السياحة جسد ينبض بالحياة ونشاط بشري كبير يحتاج إلى ما يساعده علي التدفق والاستمرار، فهي مثل أجسادنا تمرض، وتعاني، وتتعافى، وكلما مرت بالسياحة مشكلات وعوائق كلما كان من الضروري اعطاؤها المنشطات التي تساعدها على التعافي السريع.

 

منشطات السياحة معروفة، ولكنها مهملة، أو يعتبرها الكثير من صناع السياحة مجرد رفاهية، مثلما كانت النظرة إلى السياحة في بداية نشأتها، فالعالم كله في البدايات الأولي لهذه الصناعة كان يعتبرها مجرد رفاهية لا يستطيع العوام الحصول عليها.

 

ولكن مشكلة الاهتمام بالمنشطات السياحية لم تعد قائمة في أغلب البلدان التي تنظر إلى السياحة باعتبارها خيار استراتيجي لا غني عنه، أما تلك الدول التي أصاب مسوقيها المرض وأصبحوا لا يستطيعون تقبل الجديد فمازالت المنشطات السياحية مجرد كلام يتداولونه فيما بينهم.

 

المنشطات هي بكل بساطة عبارة عن «الأدوات، والسبل، والرؤي» التي تتبناها الدول في وقت محدد لتنشيط التدفق السياحي وما يستلزم ذلك من إجراءات استثنائية قصيرة الأجل لتدعم وتقوي صانع القرار السياحي، مثل: أن تقوم الدولة بإعفاء بعض الجنسيات من رسوم الفيزا لمدة تحددها الدولة مسبقا.

 

والمنشطات السياحية قد تكون في صورة مادية مثل المثال السابق أو في صورة معنوية وتحفيزية كأن تركز الدولة في خططها التسويقية علي تذكير العميل بأهمية السفر خلال فصل الشتاء القارص البرودة والاستمتاع بالشمس الدافئة والتي تتميز بها هذه الدولة.

 

وللمنشطات أوجه عديدة تتكامل كلها من أجل هدف واحد؛ وهو تنمية القطاع وإزالة كل العوائق أمام المستثمر الذي لا يهمه سوى جني الأرباح بشكل سريع وبدون مشاكل متوقعة.

 

ومن أوجه التنشيط السياحي إصرار الدول علي تبني سياسات سياحية مختلفة عن السياسات التقليدية، مثل رعاية حفلات غنائية وموسيقية لمشاهير الموسيقيين والمطربين، أو استضافة مسابقات رياضية ذات جوائز مالية قيمة، أو تنظيم مهرجانات فنية كمهرجانات السينما والمسرح، أو ندوات أدبية، أو السعي لاستضافة مؤتمرات سياسية إقليمية ودولية، أو استضافة مسابقات ذات طابع خاص، مثل مسابقات ملكات الجمال، لأن كل ما سبق يصاحبه آلة إعلامية جبارة تلهث وراء الأخبار وتتناقلها علي مدار الساعة مما يسهم بشكل مباشر وفعال في خدمة القطاع السياحي وتشجيعه علي المضي قدمًا للأمام.

 

المنشطات السياحية ليست بأفكار جديدة علي كل المهتمين بالقطاع السياحي المصري، ولا أشك أن أحدًا من القائمين علي صناعة السياحة لا يريد تبني مثل هذه الرؤى، ولكن الأهم؛ هو محاولة تنفيذ هذه الآراء علي أرض الواقع، وأن تكون ذات طابع استمراري مع الحفاظ علي التنوع المطلوب حتي تستطيع إرضاء كافة الأذواق.

 

التنشيط السياحي، هو باختصار: أحد أدوات التسويق السياحي المحترف الذي يمتلك أجندة كاملة لما ينوي القيام به علي مدار سنوات وشهور قادمة، وهو المنوط به إخبارنا عن مدى قوة وجدية مسار التسويق السياحي الذي اخترناه مسبقا.

 

جدية وإصرار أي دولة يظهر في قدرتها علي تحفيز وتنشيط خططها وعدم التقيد باللوائح  التي تكون في كثير من الأحيان معطلة ومنفرة لكثير من العملاء المحتملين.

 

هناك أمثلة كثيرة لما يمكن أن يكون عليه شكل التكامل بين الجهات التابعة للدولة، وبين القطاع الخاص لإنعاش القطاع، ولكن معظم المحاولات تكون غالبًا ضعيفة الإخراج والمستوى، وأنا هنا لا أحمل أحدا المسؤولية منفردا، ولكن من يريد أن يمتلك سياحة قوية عليه أن يقبل التحدي وأن يدرك أن المنافسة شرسة إلى أبعد حد، وأن يستطيع تفهم «أن صورة الأهرام وأبو الهول ليست كافية لجذب السائح  إلى بلادنا»، فالأذواق تغيرت، والميول تبدلت، والشباب الذي يعشق السفر أصبحت أهواءه تختلف عن أهواء من سبقوه سنا، ولذلك من أهم أوجه التنشيط السياحي هو دراسة التغيرات التي حدثت لشخصية السائح (كل بلد علي حدة)، حتي تستطيع أن تلبي له رغباته.

 

كل فكرة جديدة، وكل معلومة صغيرة، وكل تصور غير تقليدي، هو في حد ذاته «كنز تنشيطي» لا يجب إهماله، ومازلت أتذكر قصة مالك احدى أكبر الشركات الأمريكية عندما اجتمع بموظفيه وطلب من كل واحد منهم أن يعطيه فكرة جديدة عن كيفية التسويق لمنتجات الشركة، وعندما تحدث أحد الموظفين سخر منه المدير أمام باق الموظفين، فما كان من مالك الشركة إلا أن «وبخ» المدير، وشجع الموظف علي استكمال حديثه، بل وكافأه وأعطى الجميع درسًا في كيفية الاهتمام بكل فكرة مهما قل شأنها.

 

هذا درس لابد أن يتعمله المسوقين الجدد، فلا تجعل شيئا يحبطك، وهو أيضا درس للمدراء يحثهم علي عدم الاستهزاء بالأراء والأفكار التي تبدو بسيطة، فربما فكرة بسيطة تتحول إلى كنز كبير يعود بالنفع علي المؤسسة بأكملها.

 

إنجلترا صاحبة السبق في أشياء كثيرة مازالت تتعامل مع السياحة وكأنها المصدر الوحيد للدخل القومي، ومازالت الصحف الإنجليزية تفاجئنا كل يوم بشيء جديد تقدم على تنفيذه الحكومة الإنجليزية من أجل دعم القطاع السياحي، وآخر شيء سمعت عنه كان استضافة بطولة العالم في تحطيم الأشجار!.

 

يا سادة: بإختصار؛ مصر لا ينقصها موارد، ولا سمعة طيبة، فمصر معروفة لدى كل شعوب العالم، ولكن ما ينقصنا عن جد هو «التسويق والتنشيط السياحي المحترف بعيدا عن الاستسهال والتطنيش».

 

المهم هو أن نعتني بالتنشيط المستمر، وألا نركن إلى الراحة أو الخمول حتي لا نخسر الوقت بعد أن خسرنا أشياء أخرى كثيرة كنا قادرين علي أن نحافظ عليها بقليل من التسويق الإحترافي المتميز..(حفظ الله مصر جيشا وشعبا).